النية لله تعالى
🌙ثبوت رمضان شرعًا🌙
الحمدُ لله مُكَوِّنِ الأكوانِ الموْجودِ أزلًا وأبدًا بِلا مكان والصّلاةُ والسّلامُ على سيِّدِنا محمَّدٍ خيرِ إنسانٍ
أمّا بعدُ عِبادَ الله أوصي نفسي وإيّاكمْ بِتَقوَى الله العَليِّ العظيم فاتَّقوهُ حقَّ تُقاتِهِ وتوبوا إليهِ فالله يَعْلَمُ ما نحنُ عليه
واعْلَموا إخْواني أنَّ العُمُرَ قصير وإلى الله المصير ومَنْ قيَّدَ نفسَهُ بأداءِ الفرائضِ واجْتِنابِ الحرامِ فقدْ أطْلقَ سراحَها.
واسْمَعوا معي إخوةَ الإيمان إلى قوْلِهِ تعالى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ منَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ويقول تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}
التقوى إخوةَ الإيمان والإسلامِ كلمةٌ خفيفةٌ على اللسانِ ولكنّها ثقيلةٌ في الميزان.
التقوى إخوةَ الإيمانِ هي لُزومُ طاعةِ الله.
التقوى أيّها الإخوة مدارُها على أمْرَيْنِ عظيمَينِ "أداءِ الواجباتِ واجْتِنابِ المُحَرَّمات".
فمِنْ طاعةِ الله أنْ تَلْتَزِمَ بما جاءَ عنْ رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم في السُّنَّةِ المُطَهَّرةِ في الحديثِ الشريفِ بالنّسبةِ لِثُبوتِ شهرِ صِيامِ رمضان.
فَبِنَصِّ حديثِ رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم عَرَفْنا كيفَ يكونُ إثْباتُ صيامِ رمضان كما عرَفْنا متى يكونُ انْتِهاؤُهُ حيثُ قالَ صلَواتُ ربّي وسلامُهُ عليه "صُوموا لِرُؤْيَتِهِ وأفطِروا لِرُؤْيَتِه فإنْ غُمَّ عليكمْ فأكْمِلوا عِدَّةَ شعبانَ ثلاثينَ يوْمًا".
وروى البُخاريُّ ومسلمٌ وغيرُهما عنْ عبدِ الله بنِ عمرَ رضيَ الله عنهما أنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم قال "الشهرُ تِسْعٌ وعِشرونَ ليلة فلا تصوموا حتّى تَرَوْه فإنْ غُمَّ عليكمْ فأكْمِلوا العِدّةَ ثلاثين"
وروى البُخاريُّ وغيرُهُ عنْ رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم أنهُ قال "لا تَقَدَّموا رمضانَ بِيوْمٍ أوْ يَوْمَيْن صوموا لِرُؤْيتِهِ وأَفْطِروا لِرُؤْيَتِهِ فإنْ غُمَّ عليكمْ فاكْمِلوا عِدّةَ شعبانَ ثلاثين"
فبعدَ هذا البيانِ منَ السُّنّةِ المُطَهَّرةِ لا يجوزُ اعْتِمادُ قولِ فَلَكيٍّ في إثْباتِ رمضان، فكلٌّ منَ الشهورِ العربيةِ يُعْرَفُ بَدْؤُهُ ويُعْرَفُ انْتِهاؤُهُ بِمُراقبةِ الهلال والمسلمونَ سلَفُهُمْ وخَلَفُهمْ على هذا ثابْتون.
وقدْ نصَّ الفُقهاء على أنّهُ لا يجوزُ اعْتِمادُ قوْلِ فَلَكيٍّ في إثباتِ هلالِ رمضان وبالتالي فَلا بُدَّ في ليْلةِ الثلاثينَ مِنْ شعْبان أنْ يُراقَبَ هِلالُ رمضان فإنْ بانَ ثَبتَ صيامُهُ وإلّا فإنْ غُمَّ عليكم فأكْمِلوا عِدَّةَ شعبانَ ثلاثينَ يوْمًا.
فانْظُروا إخْوةَ الإيمانِ رَحِمَكُمُ الله تعالى بِتَوْفيقِهِ كيفَ نَهَى رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم عنِ الصّيامِ مِنْ غيرِ مُراعاةِ الرؤية أوِ اسْتِكْمالِ شعبانَ ثلاثين عندَ عدَمِ الرّؤية.
وقدِ اتّفقَ علماءُ المذاهبِ الأربعةِ على أنَّ الأصلَ في تَحْديدِ أوّلِ رمضان هوَ التالي:
يُراقَبُ الهلال بعدَ غروبِ شمسِ التّاسِعِ والعِشرينَ مِنْ شعْبان فإنْ رُؤيَ الهلال كانَ اليوْمُ التالي أوّل رمضان، وإنْ لمْ يُرَ الهلال يكونُ اليومُ التالي الثلاثينَ مِنْ شعبان والذي بعْدَهُ هوَ أوَّلُ أيامِ رمضان.
فالعُمْدةُ على هذا ولا الْتِفاتَ إلى أقوالِ أهلِ الحسابِ والفَلَكيّين ولا عِبرةَ بكلامِهِمْ لِتَحْديدِ ابْتِداءِ الصّيامِ أو انْتِهائِهِ.
فقدْ قال الحافظُ وليُّ الدّينِ العراقيُّ المُتَوفّى سنةَ ثمانمائة وستة وعشرون للهجرة "إنَّ جمهورَ أصحابِ الشافعيِّ على ذلك وإنّ الحُكْمَ يتَعلَّقُ بالرّؤيةِ دونَ غيرِها" قال "وبهِ قالَ مالكٌ وأبو حنيفةَ والشافعيُّ وجمهورُ العلَماءِ منَ السّلفِ والخَلفِ" اهـ.
وقالَ ابنُ عابدين المُتَوفّى سنة ألف ومائتين واثنان وخمسين هجرية في حاشِيَتِهِ على الدُّرِّ وهيَ مِنْ أشهرِ كتُبِ السّادةِ الحَنَفيّةِ "لا عِبرةَ بِقوْلِ المُؤقِّتين -أي في وجوبِ الصّوْمِ على النّاس- وقال: لا يُعْتَبَرُ قوْلُهُمْ بالإجماع ولا يجوزُ للمُنَجِّمِ أنْ يَعْمَلَ بِحسابِ نفْسِه" اهـ.
فلوْ رأى مسلمٌ عدْلٌ ثقةٌ هِلالَ رمضان في أيِّ بُقعةٍ مِنْ بِقاعِ الدّنيا جازَ لنا يا أحْبابَنا أنْ نصومَ في مذهبِ الإمام أبي حنيفةَ النُّعمان بِناءً على هذه الرّؤية. لذلك يَنبغي التَّيَقُّنُ مِنْ رؤيةِ الهلالِ قبلَ النّومِ.
أمّا منِ اسْتَيْقظَ صبيحةَ رمضان ووجَدَ المسلمينَ صائمين وهوَ لمْ يَنْوِ الليْلةَ الماضيةَ لمْ يُبَيِّتِ النّية، ما ثبَتَ لهُ الصيام، فلا بُدَّ إذًا منَ الاهتمامِ بِرؤيةِ هلالِ رمضان والاعْتمادُ في ذلك كما هوَ مُقَرَّرٌ عندَ الفقهاءِ سلَفًا وخَلَفًا يكونُ على قوْلِ ثقةٍ.
أما الاعتمادُ على الفلكِ في تحديدِ أوائل الشهورِ العربيةِ فتلك مخالَفةٌ واضحةٌ صريحةٌ لِما جاءَ عنِ النّبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم.
فنَصيحَتُنا لكُلِّ مسلمٍ أنْ يتَمَسَّكَ بِما قالَهُ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم وبِما قالَهُ فُقَهاءُ المذاهبِ الأربعةِ الذين أجَمعتِ الأمّةُ على عُلُوِّ شأنِهِمْ وأنْ يدْرسَ أحكامَ الصيامِ قبلَ دخولِ شهرِ رمضان مِنْ إنسانٍ جَمَعَ بينَ المعْرِفةِ والعَدالةِ وتَلَقّى هذا العِلْمَ عنْ مِثْلِهِ وهكذا بإسْنادٍ مُتَّصِلٍ إلى سيِّدِنا وحَبيبِنا رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم.
وفي الخِتامِ نسألُ الله تعالى أنْ يُعَلِّمَنا ما يَنْفَعُنا ونسألُ الله تعالى أنْ يَنْفَعَنا بِما علَّمنا.
اللهمَّ أعِنّا على الصِّيامِ والقِيامِ وغَضِّ البصرِ وصِلةِ الأرحامِ يا ربَّ العالمين يا الله.
والحمدُ لله أوَّلًا وآخِرًا وأبَدًا.