قصة أصحاب الأخدود

أصحاب الأخدود

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى ءاله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أما بعد:
يحكي لنا التاريخ الغابر عن ملوك كفرة، شقوا أخاديد وخنادق في الأرض وأضرموا فيها النار لتعذيب المؤمنين وتقتيلهم.
يروى أن رجلا من أتباع سيدنا عيسى بن مريم المسلمين يقال له: فيميون الراهب، وكان صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا مجاب الدعوة، وكان سائحا ينزل بين القرى لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى قرية أخرى لا يعرف بها، وكان لا يأكل إلا من كسب يديه وكان بناء يعمل الطين.
فتعرف إليه أحدهم وأسلم على يديه واسمه صالح، وبينما هما في سياحتهما في جزيرة العرب إختطفتهما مجموعة من قطاع الطرق وباعوهما بنجران وهو اسم ناحية فيها، وكان أهل نجران يومئذ كبقية العرب وقتها، من عبدة الأوثان يعبدون نخلة طويلة في أرضهم لها عيد في كل سنة، وإذا جاء العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه وزينوها بحلي النساء ثم خرجوا إليها فعكفوا عليها كل اليوم.
فاشترى رجل من وجهائهم فيميون فكان إذا قام في الليل ليصلي، أضاء له البيت حتى يأتي الصباح من غير مصباح، إذ كان وليا ذا كرامات، فرأى ذلك سيده فأعجبه ما يرى منه، فسأل عن دينه فأخبره به، وقال له فَيميون: إنما أنتم على باطل، إن هذه النخلة لا تضر ولا تنفع، ولو دعوت عليها إلهي الذي أعبده لأهلكها بإذنه تعالى، وهو الله وحده لا شريك له، فقال له سيّده: فافعل، فإنك إن فعلت دخلنا في دينك وتركنا ما نحن عليه.
فقام فيميون وتوضأ وصلى ركعتين ثم دعا الله عليها، فأرسل الله عليها ريحا قلعتها وأسقطتها من أصلها إلى الأرض، فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دين الإسلام، ثم دخلت عليهم الأحداث وحرّفوا الدين وحصل الكفر وعم.
وكان من أمر فيميون عندما انتشر الفساد أن بنى خيمة له خارج نجران يتعبد الله تعالى وحده فيها وانقطع عن الناس، وحدث أنه كان في نجران ملك لديه ساحر وقد صار عجوزا، فطلب الساحر من الملك أن يبعث له بغلام كي يعلمه السحر، وكانت خيمة فيميون بين نجران وقرية الغلام الذي أرسله الملك ليتعلم السحر.
وذات يوم مر هذا الغلام واسمه عبد الله بن الثامر بخيمة فيميون الراهب، فسمعه يتلو كلام الله بصوت عذب، ونظر فأعجبه ما يرى منه من صلاته وعبادته، فصار يجلس إليه ويسمع منه حتى أسلم فوحد الله وعبده، وصار يسأل عن أحكام الإسلام حتى ترقى في العلم والعبادة، وكان الغلام أحيانا يتأخر عند الراهب فيميون، فإذا وصل عند الساحر ضربه لتأخره، وإذا جاء إلى أبيه متأخرا ضربه أبوه.
فشكى الغلام أمره إلى الراهب فقال له: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل، حبسني الساحر، وذلك كي لا يظلم لأنه يتعلم الدين وأحكامه في زمن قلّ فيه المسلمون، وكان في ذلك البلد حية عظيمة قطعت طريق الناس، فمر بها الغلام وحمل حجرا ثم سمى الله تعالى ورماها به فقتلها، وأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: إن لك شأنا عظيما، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل أحدا علي.
وصار الغلام إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر أو كان أكمه أي أعمى أو أبرص وهو المصاب بمرض جلدي منفر إلا قال له: يا عبد الله أتوحد الله وتدخل في دين الإسلام وأدعوا الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم، فيوحد الله ويسلم ويدعو له فيشفى، حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره، ودعا له فعوفي، وكان للملك ابن عم أعمى، فسمع بالغلام وقتل الحية فأتاه بهدايا كثيرة فقال له: ما ها هنا لك كله إن أنت شفيتني.
فقال الغلام: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله من يشاء، فإن أنت ءامنت بالله دعوت الله لك فشفاك وعافاك، فآمن بالله وأسلم فشفاه الله، فأتى ابن العم هذا إلى الملك فجلس إليه كما كان يجلس سابقا، فقال له الملك الذي كان يدعي الألوهية والعياذ بالله تعالى: من ردّ عليك بصرك؟ قال: ربي، قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فجيء بالغلام، فقال له الملك: يا غلام قد بلغ من سحرك ما تبرىء الأكمه والأبرص وتفعل كذا وتفعل كذا، فقال الغلام: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دلّ على الراهب فيميون، فجيء بالراهب فقيل له: إرجع عن دينك الإسلام فأبى ولم يرض بالكفر ولا بالرجوع عن دينه، فدعا الملك بالمنشار، فوضع المنشار في مفرق رأس الراهب فشقه حتى وقع شقاه، ولم يكتف الملك الكافر بذلك بل جاء بابن عمه وقال له: إرجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جاء بالغلام فقال له: إرجع عن دينك فأبى فدفعه إلى بعض جنوده وقال لهم: إذهبوا به إلى قمة ذلك الجبل فإن رجع عن دينه اتركوه وإلا فاطرحوه إلى الأسفل، فذهبوا وصعدوا به إلى قمة الجبل، فقال الغلام داعيا ربه عز وجل: اللهم اكفنيهم بما شئت، فاهتز الجبل فسقطوا وقتلوا، وعاد الغلام سالما إلى الملك، فلما رءاه استغرب ودهش وسأله عن الجنود فقال: كفانيهم الله، وقد عاد الغلام رغم أنه كان يستطيع الفرار والهروب لأنه كان يطمع أن يتراجع الملك عن كفره فيسلم فيكون إسلامه سببا في إسلام قومه.
فدفعه الملك إلى مجموعة جنود ءاخرين، وقال لهم: إذهبوا به فاحملوه في سفينة فإذا صرتم في وسط البحر أنظروا في الأمر فإن تراجع عن دينه فعودوا به وإلا فاقذفوه فيه، فذهبوا به فدعا الغلام ربه تبارك وتعالى قائلا: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانقلبت بهم السفينة فغرق الجنود وعاد الغلام سالما إلى الملك، فدهش مرة ثانية من رؤيته يعود هكذا، وسأله عن الجنود فأخبره بما جرى ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما ءامرك به، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في مكان واحد وتصلبني على جذع ثم تأخذ من جعبة سهامي واحدا ثم تضعه في القوس ثم تقول: بسم الله رب الغلام ثم ترميني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الملك الناس وصلب الغلام على جذع ثم أخذ سهما من جعبته ونفذ ما أمر به الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه وهو الموضع الذي بين العين والأذن فوضع الغلام يده في موضع السهم فمات، فقال الناس عندها: ءامنا برب الغلام لا إله إلا الله، لا إله إلا الله عبد الله بن الثامر (وهو اسم الغلام).
فقال الوزراء للملك: أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك حذرك، وءامن الناس وأسلموا، فاستشاط الملك غيظا وغضبا وأمر بإغلاق أبواب المدينة، ثم شق شقوقا وأخاديد في الأرض قيل إن عددها سبعة، طول كل أخدود أربعون ذراعا، وعرضه اثنا عشر ذراعا، ثم طرح فيها النفط والحطب وأججت نيرانها وبدأت ألسنة اللهب تتصاعد منها، ثم وقف الملك وأعوانه على جانبي كل أخدود ويجلبون المسلم فإن أبى الرجوع عن دينه قذفوه بها وإلا تركوه.
فرموا في النار قرابة عشرين ألفا من المسلمين وقيل أكثر بكثير ما بين رجال وشيوخ ونساء وأطفال وحتى إنه جيء بامرأة مسلمة وكان لها ثلاثة بنين أحدهم رضيع، فقال لها الملك: إرجعي وإلا قتلتك أنت وأولادك فأبت، فألقى ابنيها الكبيرين فلم تتراجع، ثم أخذ الصغير ليلقيه فبكت فأنطق الله ابنها الرضيع وقال: يا أماه لا ترجعي عن دينك لا بأس عليك، فألقاه وألقاها في أثره، وروي أن المسلمين كانت تقبض أراوحهم قبل أن تمسهم النار وحرّها.
ثم بعد أن رمى الملك من رمى، إرتفعت النار من الأخدود، فصارت فوق الملك وأعوانه أربعين ذراعا ثم هبطت عليهم وأحرقتهم فذابوا وتحوّلوا إلى رماد.
قال الله تعالى في سورة البروج: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} صدق الله العظيم.
وهذا الذي فعله ذلك الغلام كان جائزا قتل الشخص نفسه لإدخال غيره في الإسلام، أما في شرعنا لا يجوز.
والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم.
أحدث أقدم